حيدر حب الله
254
حجية الحديث
وهذا يعني أنّ أبا البركات معاصرٌ تقريباً للشيخ المفيد ( 413 ه - ) . وعندما يريد الصدر أن يوثق أبا البركات يتمسّك بتوثيق الحرّ العاملي له ، ثم يُشكل على نفسه : كيف نأخذ بتوثيق الحرّ العاملي المتوفى عام 1104 ه - لنوثق شخصاً توفي قرابة عام 400 ه - ؟ ! ويجيب الصدر عن ذلك باحتمال الحسيّة هنا ، رغم البعد الزمني ، على أساس توافر المعطيات حول الرجال بعد عصر الطوسي بشكل أكبر بكثير مما قبله ، فإنّ مسألة الحسيّة والحدسية في نقل الثقة لا ترتهن دائماً بمسألة القرب الزمني أو البعد كذلك ، وإنما بمدى توافر المعطيات حول المخبَر عنه ، ونحن نلاحظ أنّ المعطيات هنا متوافرة جداً في الشخصيات التي أعقبت عصر الطوسي ، مما يجعل الأمر واضحاً بالنسبة للحرّ العاملي . ويعزّز ذلك الوصف الذي ورد في كتاب رياض العلماء لعبد الله أفندي ( ق 12 ه - ) في حقّ الرجل ، وهو « الإمام الزاهد » ، فإنّ هذا يؤكّد مفروغية وثاقة الرجل عندهم « 1 » . وهذا الكلام دقيقٌ وعلمي ، لكن بشرط واحد ، وهو أن تكون المصنّفات اللاحقة قد وصلتنا ؛ إذ لا يمكن أن يكون أمر الرجل مشهوراً إلى هذا الحدّ في القرون اللاحقة ، قرون التأليف والتصنيف وبقاء الكثير من الكتب ، ولا نجد له ذكراً إطلاقاً ، لا في كتب الرجال ولا في كتب التراجم ولا كتب الفهارس ولا في كتب الفقه والأصول ولا في كتب الحديث ، ولا في كتب التاريخ . وروايته هذه لم ينقلها أحدٌ قبل القرن الحادي عشر الهجري رغم أهميّتها ، فضلًا عن أنّ كتاب الراوندي أو رسالته هذه لم يذكرها أحدٌ أيضاً ، فهذا يضعّف من احتمال توصّل الحر العاملي إلى معطيات تبلغ - حسب تعبيرهم - درجة الحسيّة ، وقد حقّقنا في محلّه بطلان أصالة الحسّ المدّعاة . بل لعلّ المتتبّع لنتاجات الحرّ العاملي يظهر له بوضوح أنّ مصادره هي هذه الكتب التي بين أيدينا في الغالب ، وليست لديه مصادر كثيرة غائبة عنّا .
--> ( 1 ) الصدر ، بحوث في علم الأصول 7 : 356 - 357 .